أحمد بن محمد القسطلاني
294
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وللكشميهني : والعصر بذي الحليفة . أي : وصليت صلاة العصر بذي الحليفة ( ركعتين ) قصرًا لا يقال : إنه يدل على استباحة قصر الصلاة في السفر القصير ، لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال ، لأن ذا الحليفة لم تكن غاية سفره ، وإنما خرج قاصدًا مكة ، فنزل بها ، فحضرت العصر فصلاها بها . 1090 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتِ : " الصَّلاَةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَان ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ ، وَأُتِمَّتْ صَلاَةُ الْحَضَرِ " قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ : مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ ؟ قَالَ : تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن محمد ) المسندي ( قال : حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( عن ) ابن شهاب ( الزهري ، عن عروة ) بن الزبير ( عن عائشة رضي الله عنها قالت ) : ( الصلاة ) بالإفراد ( أول ما فرضت ركعتان ) أي : لمن أراد الاقتصار عليهما . والصلاة مبتدأ ، وأول ، بدل منه أو مبتدأ ثان خبره ركعتان ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ويجوز نصب لفظ أول على الظرفية . والصلاة : مبتدأ والخبر محذوف . أي : فرضت ركعتين في أول فرضها ، وأصل الكلام : الصلاة فرضت ركعتين في أول أزمنة فرضها ، فهو ظرف للخبر المقدر ، وما : مصدرية ، والمضاف محذوف كما تقرر . ولغير أبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي : ركعتين بالياء نصب على الحال السادّ مسدّ الخبر ، وللكشميهني ، كما في الفرع ، ولم يعرفها صاحب المصابيح : الصلوات بالجمع ، واستشكلها من حيث اقتصار عائشة رضي الله عنها معها على قولها : ركعتين لوجوب التكرير في مثله ، وقد وجدت في رواية كريمة وهي من رواية الكشميهني : ركعتين ركعتين بالتكرير ، وحينئذ فزال الإشكال ولله الحمد . ( فأقرت صلاة السفر ) قال النووي : أي على جواز الإتمام ( وأتمت صلاة الحضر ) على سبيل التحتم . وقد استدلّ بظاهره الحنفية على عدم جواز الإتمام في السفر ، على أن القصر عزيمة لا رخصة ، ورد بقوله تعالى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ } [ النساء : 101 ] . لأنه يدل على أن الأصل الإتمام ، لأن القصر إنما يكون عن تمام سابق ، ونفي الجناح يدل على جوازه دون وجوبه . فإن قلت : فما الجواب عن تقييد الآية بالخوف ؟ أجيب : بأنها ، وإن دلت بمفهوم المخالفة على أنه لا يجوز القصر في غير حالة الخوف ، لكن من شرط مفهوم المخالفة إن لم يخرج مخرج الأغلب ، فلا اعتبار بذلك الشرط كما في الآية ؛ فإن الغالب من أحوال المسافرين الخوف . اه - . وقال البيضاوي : شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت ، ولذلك لم يعتبر مفهومها ، وقد تظاهرت السنن على جوازه أيضًا في حالة الأمن ، أي : في السفر ، ولا حاجة في القصر إلى تأويل الآية ، كما أوله الحنفية نصرة لمذهبهم بأنهم ألفوا الأربع ، فكان مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانًا في القصر ، فسمي الإتيان بها قصرًا على ظنهم ، ونفي الجناح فيه لتطيب أنفسهم بالقصر ، قاله البيضاوي . ورأيته في بعض شروح الهداية . ويؤيد القول بالرخصة حديث : " صدقة تصدق الله بها عليكم " ، لأن الواجب لا يسمى رخصة ، وقول عائشة المروي عند البيهقي بإسناد صحيح : يا رسول الله قصرت وأتممت وأفطرت وصممت ، قال : " أحسنت يا عائشة " . وحديث الباب من قولها غير مرفوع ، فلا يستدل به ، كما أنها لم تشهد زمان فرض الصلاة . وتعقب بأنه مما لا مجال للرأي فيه ، فله حكم الرفع ، ولئن سلمنا أنها لم تشهد فرض الصلاة لكنه مرسل صحابي ، وهو حجة لاحتمال أخذها له عنه عليه الصلاة والسلام ، أو عن أحد من أصحابه ممن أدرك ذلك . وأجاب في الفتح : بأن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب ، ثم زيدت بعد الهجرة ، عقب الهجرة إلاّ الصبح ، كما روي من طريق الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة . قالت : فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين ، فلما قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان ، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها ، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار ، ورواه ابنا خزيمة وحبان وغيرهما . ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول قوله تعالى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ } [ النساء : 101 ] . وبهذا تجتمع الأدلة ، ويؤيده أن في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة . ( قال ) ابن شهاب ( الزهري فقلت لعروة ) بن الزبير ( ما ) ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي : فما ( بال عائشة ) رضي الله عنها ( تتم ) بضم أوله الصلاة ( قال :